أكد الدكتور محمد راشد، عضو المجلس التنفيذي للمجلس المصري للبناء الأخضر والتنمية المستدامة، أن السوق العقاري يشهد تحولًا جوهريًا في مفهوم القيمة، لم يعد يُقاس فقط بسعر المتر أو حجم العائد الرأسمالي السريع، وإنما بقدرة المشروع على تحقيق أثر بيئي واجتماعي واقتصادي مستدام، وهو ما دفع شريحة متزايدة من المطورين العقاريين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، ووضع أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في قلب استراتيجيات التطوير والتشغيل.
وأوضح راشد أن هذا التحول لم يعد ترفًا فكريًا أو استجابة لضغوط تنظيمية، بل أصبح ضرورة سوقية تفرضها تغيرات سلوك المشترين والمستثمرين، حيث بات المستهلك العقاري أكثر وعيًا بتأثير المباني على البيئة وجودة الحياة وتكلفة التشغيل على المدى الطويل، الأمر الذي انعكس في استعداد شريحة متنامية من العملاء لدفع قيمة إضافية مقابل مشروعات تعتمد على ممارسات بناء شفافة، وكفاءة في استخدام الطاقة والمياه، وانخفاض البصمة الكربونية، بما يضمن لهم استدامة حقيقية تتجاوز لحظة الشراء.
وأشار راشد إلى أن إدماج معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في مشروعات التطوير العقاري يمثل نقلة نوعية في طريقة تقييم الأصول، حيث لم تعد المباني تُقيَّم فقط بما تمثله من أصول جامدة، بل بما تحققه من وفورات تشغيلية، واستقرار استثماري، وقدرة على الصمود أمام تقلبات أسعار الطاقة والموارد، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قيمة الأصل على المدى المتوسط والطويل.
وأضاف أن التجارب الدولية أثبتت أن المشروعات المستدامة تحقق معدلات إشغال أعلى، وتكاليف تشغيل أقل، وقيمة سوقية أكثر استقرارًا مقارنة بالمشروعات التقليدية.
وفيما يتعلق بالسوق المصري، شدد راشد على أن هذا التحول يحمل فرصًا كبيرة، خاصة في ظل التوسع العمراني غير المسبوق الذي تشهده الدولة، موضحًا أن دمج مبادئ الاستدامة والحوكمة في المشروعات الجديدة يساهم في تقليل الأعباء المستقبلية على البنية التحتية، وخفض استهلاك الطاقة، ودعم التزامات مصر البيئية والمناخية، إلى جانب خلق نماذج عمرانية أكثر كفاءة وقدرة على جذب استثمارات طويلة الأجل.
وأكد أن التحول نحو البناء المستدام لا يجب أن يُنظر إليه كزيادة في التكلفة، بل كاستثمار في تقليل المخاطر وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي.
وأضاف راشد أن المرحلة المقبلة ستشهد فرزًا واضحًا داخل السوق العقاري بين مطورين يتبنون هذا التحول بوعي استراتيجي، ويعيدون صياغة مشروعاتهم وفق معايير الاستدامة والشفافية، وآخرين يظلون أسرى للنماذج التقليدية قصيرة الأجل، مشيرًا إلى أن الكفة ستميل تدريجيًا لصالح المشروعات التي تقدم قيمة متكاملة تجمع بين الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي والاجتماعي الإيجابي.
وأكد أن دور المؤسسات المهنية والتنظيمية، وفي مقدمتها المجلس المصري للبناء الأخضر والتنمية المستدامة، يتمثل في دعم هذا التحول من خلال نشر الوعي، وتقديم الأطر الإرشادية، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
وذكر راشد ؛ أنه في ضوء التحولات العالمية في منظومة الاستثمار العقاري، تظهر مؤشرات قوية تؤكد أن دمج معايير الاستدامة ليس خيارًا تفضيليًا، بل أصبح معيارًا حقيقيًا لجذب رأس المال الدولي.
ففي الأسواق الأوروبية والأمريكية، تشير دراسات متخصصة إلى أن المباني المصنّفة وفق معايير الاستدامة تحقق قيمة سوقية أعلى تصل إلى 20–25% مقارنة بالمشروعات غير المستدامة، مع عوائد إيجار أعلى بنسبة قد تصل إلى 15–30%، نتيجة لتفضيل المستخدمين والمستثمرين للمرافق الأكثر كفاءة وتكلفة تشغيلية أقل، وهو ما يُعرف عالميًا بـ “العائد الأخضر” أو Green Premium.
هذا التوجه الدولي يعكس تحولًا في عقل المستثمرين نحو تقييم الأصول ليس فقط بسعرها، بل بقدرتها على إنتاج قيمة تشغيلية بيئية واجتماعية على المدى الطويل، وهو معيار بات معتمدًا في مؤشرات الاستثمار العالمي، وعلى رأسها مؤشرات ESG (الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية) التي أصبحت شرطًا في قرارات صناديق الاستثمار الكبرى عند الدخول إلى أسواق جديدة.
وألمح راشد إلي أنه في هذا السياق، تشكل رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة إطارًا استراتيجيًا يؤكد أن الاستدامة البيئية ليست هدفًا بيئيًا محضًا، بل ركن رئيس في السياسات الاقتصادية الكلية. فقد ضمنت الدولة في استراتيجيتها خفض البصمة الكربونية للمدن الجديدة، رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة، وتعزيز البنية التحتية البيئية، بما يتناسب مع أهداف المناخ الوطنية والدولية.
وتشير تقديرات الجهات الرسمية إلى أن الاستثمارات في قطاع البناء الأخضر في مصر قد تتجاوز 15–20 مليار جنيه خلال السنوات الخمس القادمة، مع توقعات بخلق ما يزيد على 150 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات التكنولوجيا الخضراء، إدارة الطاقة، والاستدامة البيئية في المشروعات، مما يعزز من ربط التنمية العقارية بالاقتصاد الحقيقي.
وعلى صعيد الاستثمار الأجنبي، قال راشد إن النظرة العالمية لسوق العقارات المصري تتحسن تدريجيًا مع تبني مشروعات تتوافق مع معايير الاستدامة.
فقد أظهرت تقارير اقتصادية أن الأسواق الناشئة التي تُظهر التزامًا واضحًا بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية تجذب تدفقات رأسمالية أجنبية أعلى بنسبة تتراوح بين 10–18% مقارنة بالأسواق التي تفتقد لهذه المعايير، ما يضع السوق المصري ضمن نطاق جذب المستثمرين الدوليين الباحثين عن مشروعات تجمع بين العائد المالي والأثر الاستدامي.
وهنا يكمن الرابط بين رؤية الدولة 2030 والأهداف المناخية والاستثمار الأجنبي، حيث تصبح الاستدامة البيئية عنصرًا تنافسيًا محوريًا في جذب الاستثمارات، وليست مجرد مطلب تنظيمي أو دعاية تسويقية ، كما إن هذه الأرقام والمؤشرات الدولية، وقدرتها على التأثير في توجيه رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية معًا، تؤكد أن التحول في مفهوم القيمة داخل السوق العقاري يتجاوز حدود الاستهلاك الفردي، ليصبح عاملًا استراتيجيًا محركًا لاقتصاديات العصر الحديث، وبالتالي فإن دمج معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والمؤسسية لم يعد خيارًا اختياريًا، بل شرطًا أساسيًا لاستدامة القطاع العقاري المصري وتأهيله للمنافسة على الساحة الدولية.
واختتم راشد بالتأكيد على أن التحول في مفهوم القيمة داخل القطاع العقاري هو انعكاس مباشر لتغير أعمق في فلسفة التنمية، حيث لم يعد النجاح مرهونًا بما نملكه من أصول، بل بما نُحسن إدارته وتشغيله لصالح الإنسان والبيئة والاقتصاد، مشددًا على أن البناء الأخضر لم يعد خيارًا مستقبليًا، بل ضرورة حاضرة لضمان عمران أكثر استدامة وقدرة على الاستمرار.
الرابط المختصر: https://propertypluseg.com/?p=167142










